خليل الصفدي

25

نكت الهميان في نكت العميان

للمبالغة ، ولم يقل : الظل ولا الحر ؛ لأن الظل هو شيء واحد يضاد أنواع الحر من السموم ، ومن حر النار ، ومن تصاعد الأبخرة من الأرض الكبريتية ، إلى غير ذلك مما يتوهج به الجو ويسخن به الهواء ، فلذلك حسن إفراد الصيغة وتخصيص الحرور بهذه الصيغة . فإن قلت : فقد قال تعالى : يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ [ النحل : 48 ] ، فقد جمع الظل . قلت : إنما أراد هناك الجمع ؛ لأن الشمس إذا أشرقت ضرب ظل الشخص إلى جهة الغرب ، فكلما أخذت الشمس في الارتفاع أخذ الظل في التقلص شيئا فشيئا ، فصار كل قدر من الظل فردا ، ومجموع الأفراد من غاية الطول وهلم جرا إلى غاية القصر ظلال ، وكذلك إذا جنحت الشمس ومالت عن الاستواء إلى جهة الغرب برز الظل أقصر ما يكون ، ثم تزايد شيئا فشيئا وتطاول إلى أن يبلغ الغاية في جهة المشرق ، فثبت أن ظل الشرق وظل الغرب ظلال ، واللّه الموفق للصواب . وقوله تعالى : وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً [ طه : 124 ، 125 ] . قال مجاهد ، والضحاك ، ومقاتل : أعمى عن الحجة ، وهو رواية سعيد بن جبير ، عن ابن عباس . وقيل : إن هذا القول ضعيف ؛ لأنهم في يوم القيامة لا بد وأن يعلمهم اللّه تعالى ببطلان ما كانوا عليه حتى يتميز الحق عن الباطل ، ومن تكون هذه حاله لا يوصف بذلك إلا مجازا ، يراد أنه كان من قبل كذلك ، وحينئذ لا يليق بهذا قوله : وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً ولم يكن كذلك في الدنيا . قال الإمام فخر الدين الرازي ، رحمه اللّه تعالى : ومما يؤيد هذا الاعتراض أنه تعالى علل ذلك العمى بأن المكلف نسي الدلائل ، فلو كان العمى الحاصل في الآخرة عين ذلك النسيان ، لم يكن للمكلف بسبب ذلك ضرر في الآخرة ، كما أنه لم يكن به ضرر في الدنيا . قال : وتحقيق الجواب عن هذا الاعتراض مأخوذ من أمر آخر ، وهو أن الأرواح الحاصلة في الدنيا التي تفارق أبدانها جاهلة بكون جهلها سببا لأعظم الآلام الروحانية .